الخطيب البغدادي

207

تاريخ بغداد

التي زعم أنها صارت إليه ، فأوطأ بي عشوة الضلالة ، وأوهقني في ربقة الفتنة ، وأمرني أن آخذ بالظنة ، وأقتل على التهمة ، ولا أقبل المعذرة ، فهتكت بأمره حرمات حتم الله صونها ، وسفكت دماء فرض الله حقنها ، وزويت الأمر عن أهله ، ووضعته منه في غير محله ، فإن يعف الله عني فبفضل منه ، وإن يعاقب فبما كسبت يداي وما الله بظلام للعبيد ، ثم أنسأه الله هذا - يعني أبا مسلم - حتى جاءه فقتله . قال المعافى : أبو مسلم تعرض لما لا قبل له به ، وطمع في الأمر مما الخوف منه أولى فتوجه إلى جبار من الملوك قد وتره ، وأسرف في خطابه الذي كاتبه به ، واسترسل في إتيان حضرته ، وأضاع وجه الحزم ، واستأسر للخصم ، وسلم عدته التي يحمي بها نفسه إلى من أتى عليها ، وفجعه بها ، فقتله أفظع قتلة . وأخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري ، ومحمد بن الحسين الجازري - واللفظ للطبري - قالا : حدثنا المعافى بن زكريا ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي ، أخبرنا أبو العباس المنصوري قال : لما قتل المنصور أبا مسلم قال : رحمك الله أبا مسلم فإنك بايعتنا وبايعناك ، وعاهدتنا وعاهدناك ، ووفيت لنا ووفينا لك ، وأنك بايعتنا على أنه من خرج علينا قتلناه ، وإنك خرجت علينا فقتلناك ، وحكمنا عليك حكمك لنا على نفسك . قال : ولما أراد المنصور قتله دس له رجالا من القواد منهم شبيب بن داج ، وتقدم إليهم فقال : إذا سمعتم تصفيقي فأخرجوا إليه فاضربوه ، فلما حضر حاوره طويلا حتى قال له في بعض قوله : وقتلت وجوه شيعتنا فلانا وفلانا ، وقتلت سليمان ابن كثير ، وهو من رؤساء أنصارنا ودولتنا ، وقتلت لاهزا ، قال : إنهم عصوني فقتلتهم ، وقد كان قبل ذلك قال المنصور له : ما فعل سيفان بلغني أنك أخذتهما من عبد الله بن علي ، قال : هذا أحدهما يا أمير المؤمنين - يعني السيف الذي هو متقلد به - قال : أرنيه فدفعه إليه فوضعه المنصور تحت مصلاه ، وسكنت نفسه ، فلما قال ما قال : قال المنصور : يا للعجب ، أتقتلهم حين عصوك ، وتعصيني أنت فلا أقتلك ! ثم صفق فخرج القوم وبدرهم إليه شبيب وضربه فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه ، فقال له المنصور : اضربه قطع الله يدك ، فقال أبو مسلم : يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك ، قال : وأي عدو أعدى لي منك ؟ اضربوه فضربوه ، بأسيافهم حتى قطعوه إربا إربا ، فقال المنصور : الحمد لله الذي أراني يومك يا عدو الله . واستؤذن لعيسى بن موسى ، فلما دخل ورأى أبا مسلم على تلك الحال - وقد كان كلم المنصور في أمره لعناية كانت